رفيق العجم

مقدمة 21

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

فضاء الغزالي في أبعاده ظهر الإمام الغزالي في عصر غني بالتيارات الفكرية والعقلية والمذهبية والعقائدية . حيث كانت تموج الساحة بذاك الخصب من الآراء التي اكتنزتها من التيارات ، ورفدتها وثمّرتها من عطاءات المسلمين وغيرهم ، بل بلغتها من خضمّ غزير تأتّى من أعماق بعيدة جاوزت موجات الفكر الديني لتعود إلى الفكر الوثني العقلي والأسطوري ، الذي وصلت رواسبه إلى كل الثقافات اليهودية والنصرانية والإسلامية من التي تقاطعت في هذا المشرق . فظهر الزبد مزيجا من معطيات شرقية معرقة بالقدم امتدّت من الهند والصين مرورا بفارس ، ومن موجات مؤثّرة سبقت الفكر اليوناني وباطنته إلى جانب هذا الفكر بالذات ، مع ما بقي من جاهلية العرب وكنعان وبابل . والغائر الغائص المتعمّق يعثر عبر النبش والتفكيك على كل تلك الآثار فيما وصل عصر الغزالي وفضائه ، وقد انبثّ في الفكر العقلي والكلامي ، وفي النظر والتأمّل والشطح الصوفي ، وفي التوجّه الباطني ، وفي معتقدات الفرق سياسية كانت أو حجاجية ، بل وفي بعض النظريات العلمية من طبيعة وفلك وكيمياء وسحر وتنجيم وسواها . ونرجّح أن الغزالي شخص أمام كل هذه الاندفاعات الفكرية والتطاحنات العقائدية والكم العلمي المتلوّن ، وهو كله قد اجتمع في عصره ظاهرا تارة ومباطنا خفيّا طورا ، وتقاطع مأخوذا ممّا تركه علماء وفلاسفة ومتصوّفة وأرباب المذاهب . لقد شكّل كل ذلك حيرة واضطرابا وتكاثفا متعارضا متناقضا في التوجّه الثقافي الذي أراد الإمام هضمه ، والخروج منه بتوليف ورأي إسلامي متولّد مجدّد يخدم ثقافة ذاك العصر وإنسانه . وعندما نتحدّث عن الثقافة نعني : النظر إلى اللّه والإنسان والطبيعة ، وكيف يمكن صياغة رأي وبناء معرفة تجاه هذه العوالم الثّلاثة ، وتكوين منهج ومنطق وتحقيق يؤثّر في الخاصة والعامة ، ويجدّد الدين ، عبر تفسيره ، في إطار هذه الأبعاد الثلاثة التي تشكّل المحصّلة الثقافية . وقف الغزالي حائرا شاكّا بالآراء والمعارف ، حتى كاد أن يضطرب نفسيّا من جرّاء كثرة الآراء والبنى الفكرية بتعارضاتها وتلاقياتها . وهو أشبه ببعض مثقفي عصرنا الذين ازدحمت